محمد جمال الدين القاسمي

58

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

مكرمة في الدنيا أو تقوى عند اللّه كان أولاكم بها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . ما أصدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم امرأة من نسائه ، ولا أصدق امرأة من بناته ، أكثر من اثنتي عشرة أوقية . وإن الرجل ليبتلى بصدقة امرأته ( وقال مرة : وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته ) حتى تكون لها عداوة في نفسه . وحتى يقول : كلفت إليك عرق القربة . ورواه أهل السنن . وقال الترمذيّ : هذا حديث صحيح . وروى أبو يعلى عن مسروق قال : ركب عمر بن الخطاب منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قال : أيها الناس ! ما إكثاركم في صدق النساء ! وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك . ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند اللّه أو كرامة لم تسبقوهم إليها . فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم . قال ثم نزل . فاعترضته امرأة من قريش . فقالت : يا أمير المؤمنين ! نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم . قال : نعم . فقالت أما سمعت ما أنزل اللّه في القرآن ؟ قال : وأيّ ذلك ؟ قالت : أما سمعت اللّه يقول : وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً . الآية . قال فقال : اللهم ! غفرا . كل الناس أفقه من عمر . ثم رجع فركب المنبر فقال : أيها الناس ! إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم . فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب . قال أبو يعلي : وأظنه قال : فمن طابت نفسه فليفعل . إسناده جيّد قويّ . قاله ابن كثير . وفي ( الحجة البالغة ) ما نصه : لم يضبط النبيّ صلى اللّه عليه وسلم المهر بحدّ لا يزيد ولا ينقص . إذ العادات في إظهار الاهتمام مختلفة . والرغبات لها مراتب شتى . ولهم في المشاحّة طبقات . فلا يمكن تحديده عليهم . كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحد مخصوص . ولذلك قال : التمس ولو خاتما من حديد « 1 » . غير أنه سن في صداق أزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشّا . أي نصفا ، انتهى .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : النكاح ، 4 - باب السلطان وليّ ، لقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « زوجناكها بما معك من القرآن » . ونصه : عن سهل بن سعد قال : جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : إني وهبت من نفسي . فقامت طويلا . فقال رجل : زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة . قال : « هل عندك من شيء تصدقها ؟ » قال : ما عندي إلا إزاري . فقال : « إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك . فالتمس شيئا » فقال : ما أجد شيئا . قال : « التمس ولو خاتما من حديد » فلم يجد . فقال : « أمعك من القرآن شيء ؟ » قال : نعم . سورة كذا وسورة كذا . لسور سماها . فقال : « زوجناكها بما معك من القرآن » .